الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
80
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قومته فاستقام . ووصف الميزان به ظاهر . وأما العدل فهو وصف له كاشف لأن العدل كله استقامة . وجملة ذلِكَ خَيْرٌ مستأنفة . والإشارة إلى المذكور وهو الكيل والوزن المستفاد من فعلي كِلْتُمْ و زِنُوا . و خَيْرٌ تفضيل ، أي خير من التطفيف ، أي خير لكم . فضل على التطفيف تفضيلا لخير الآخرة الحاصل من ثواب الامتثال على خير الدنيا الحاصل من الاستفضال الذي يطففه المطفف ، وهو أيضا أفضل منه في الدنيا لأن انشراح النفس الحاصل للمرء من الإنصاف في الحق أفضل من الارتباح الحاصل له باستفضال شيء من المال . والتأويل : تفعيل من الأول ، وهو الرجوع . يقال : أوله إذا أرجعه ، أي أحسن إرجاعا ، إذا أرجعه المتأمل إلى مراجعه وعواقبه ، لأن الإنسان عند التأمل يكون كالمنتقل بماهية الشيء في مواقع الأحوال من الصلاح والفساد فإذا كانت الماهية صلاحا استقر رأي المتأمل على ما فيها من الصلاح ، فكأنه أرجعها بعد التطواف إلى مكانها الصالح بها وهو مقرها ، فأطلق على استقرار الرأي بعد التأمل اسم التأويل على طريقة التمثيل ، وشاع ذلك حتى ساوى الحقيقة . ومعنى كون ذلك أحسن تأويلا : أن النظر إذا جال في منافع التطفيف في الكيل والوزن وفي مضار الإيفاء فيهما ثم عاد فجال في مضار التطفيف ومنافع الإيفاء استقر وآل إلى أن الإيفاء بهما خير من التطفيف ، لأن التطفيف يعود على المطفف باقتناء جزء قليل من المال ويكسبه الكراهية والذم عند الناس وغضب اللّه والسحت في ماله مع احتقار نفسه في نفسه ، والإيفاء بعكس ذلك يكسبه ميل الناس إليه ورضى اللّه عنه ورضاه عن نفسه والبركة في ماله فهو أحسن تأويلا . وتقدم ذكر التأويل بمعانيه في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير . [ 36 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 36 ] وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً ( 36 ) القفو : الاتباع ، يقال : قفاه يقفوه إذا اتبعه ، وهو مشتق من اسم القفا ، وهو ما وراء العنق . واستعير هذا الفعل هنا للعمل . والمراد ب ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ الخاطر النفساني الذي لا دليل عليه ولا غلبة ظن به .